سهيلة عبد الباعث الترجمان

88

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة ، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق ، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ، ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم ، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل اللّه بما علموا وامتازوا به عن العامة ، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن للّه عبادا تولى مصلحتهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله ، وهذا العلم الصحيح عن العالم المعلّم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن . ولما رأى أهل اللّه أنه قد اعتمد الإشارة استعملوها فيما بينهم ، ولكنهم بيّنوا معناها ومحلها ووقتها فلا يستعملونها فيما بينهم ولا في أنفسهم إلّا عند مجالسة من ليس من جنسهم أو لأمر يقوم في نفوسهم ، وسلكوا فيها طريقا لا يعرفها غيرهم . . . ولا يتكلمون بها إلّا عند حضور الغير أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير . . . " « 1 » . وقد ظهرت الرمزية في كتبه واضحة " كالتدبيرات الإلهية " و " عنقاء مغرب " وغيرها كما قال شعرا : نبّه على السر ولا تفشه * فالبوح بالسر له مقت على الذي يبديه فاصبر له * واكتمه حتى يصل الوقت « 2 » ومن رمزيته الشعرية ما نسبه إليه غير واحد بقوله : قلبي قطبي ، وقالبي أجفاني * سرّي خضري وعينه عرفاني روحي هارون وكليمي موسى * نفسي فرعون والهوى هاماني « 3 » وقد تأول بعض العلماء قول الشيخ رحمه اللّه تعالى بإيمان فرعون أن مراده بفرعون النفس بدليل ما سبق . وما يلاحظ في كتابة ابن عربي وإنشائه لمصنفاته أنه شديد الثقة بما يدوّنه وما يخطّه من علم ومعرفة لأن ذلك مبني على الشريعة ومتابعة خطوات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فهو يتقيد بشرعه ، ويستقي منه علمه ، وهو ما أشار إليه الشعراني بقوله : " . . . وعلوم أهل

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص . ص 278 - 281 . ( انظر الكتاب التذكاري ، محي الدين بن عربي ، كنوز في رموز ، د . محمد مصطفى حلمي ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، 1389 ه / 1969 م ، ص 42 ) . ( 2 ) الجابي ( بسام ) ، اصطلاحات الشيخ محي الدين ، مرجع سابق ، ص 13 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 12 .